القاضي عبد الجبار الهمذاني
236
المغني في أبواب التوحيد والعدل
انه قد أنعم عليهم بنعم الدنيا ، لأن ذلك إذا فعله للوجه الّذي قلناه خرج من أن يكون نعمة ، كما يخرج ما في الحيض المسموم من اللذة من أن يكون نعمة من حيث يؤدى إلى الهلاك . ولو كان نعمة أيضا لوجب أن يكون محيطا بالإساءة العظيمة التي أرادها به وله ، كما يخرج الاحسان / اليسير من أن يعتد به إذا وقع ممن أساء الإساءة العظيمة . فإذا صح بذلك أنه لو كان مريدا منهم الكفر على ما يذهبون إليه لم يكن له سبحانه « 1 » عليهم نعمة . وهذا القول باطل ، فيجب بطلان ما أدى إليه . وانما بطل هذا القول لأنه لا خلاف أن اللّه تعالى منعم على جميع المكلفين . والكتاب ينطق بذلك في آي كثيرة ، نحو قوله تعالى : « كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ » « 2 » إلى ما شاكله . ولو لم يكن له عليهم نعمة ، لم يلزمهم شكره ولا عبادته ، لأن العبادة تستحق بالنعم العظيمة التي تستقل بنفسها وتكون أصولا للنعم . وإذا لم يحصل منعما عليهم أصلا ، فكيف يستحق عليهم العبادة التي من حقها أن لا تستحق الا بالنعم العظيمة ؟ وهذا كفر من قائله ، ان ارتكبه . وليس له أن يقول : انّ عبادته تعالى ، انما تجب على العبد لأنه إله ، لا لأنه منعم على ما ذكرتم . وذلك لأن كونه إلها ، ان أريد به أنه قادر على الانعام المخصوص الّذي ذكرناه ، فقد صحّ ما قلناه ، وان أريد به سواه لم يصح ، لأنه تعالى قادر على أن ينعم على الجماد ، ولا يستحق منه العبادة . وكذلك القول في العاجز والميت . فليس المراعى في استحقاق العبادة بأنه قادر على ذلك فقط ، وانما يراعى فيه بكونه فاعلا للانعام الّذي ذكرناه .
--> ( 1 ) سبحانه : ساقطة من ط ( 2 ) البقرة 2 / 28